حكاية البريطاني المطلوب في الدوري الأمريكي بعمر 74 عاما

يضحك أليكس ماكيكني اليوم عندما يتذكر تلك "القفزة في المجهول" التي قام بها في السابع من سبتمبر عام 1974، حينها، حزم الشاب الاسكتلندي كل ما يملك في حقيبة واحدة، وحجز رحلة ذهاب فقط من غلاسكو إلى فانكوفر بكندا، وفي جيبه 300 دولار فقط، وبدون أي عرض عمل ينتظره.
في تلك اللحظة، كان من المستحيل على أخصائي علاج طبيعي حديث التخرج أن يتخيل أنه سيأتي يوم يطلب فيه من الأسطورة "شاكيل أونيل" وحاشيته الانتظار في الردهة لأن دوره لم يحن بعد، أو أن فكرة ستأتيه وهو يراقب أطفالاً يلعبون في حديقة ستغير مفهوم التعافي من إصابات الركبة في العالم أجمع.
الشرارة الأولى: من مأساة عائلية إلى شغف مهني
نشأ ماكيكني في "إيسترهاوس" بمدينة غلاسكو، وهي منطقة كانت تُعرف آنذاك بأنها معقل للعصابات، وكان يحلم كأي صبي اسكتلندي بارتداء قميص نادي "رينجرز"، لكن القدر كان يخبئ له مساراً آخر؛ فقد تعرض والده وشقيقه لحادث سيارة مروع، وكانت رحلة تعافيهما الطويلة هي المختبر الأول الذي أثار فضول أليكس الشاب تجاه علم العلاج الطبيعي.
درس ماكيكني التخصص في ليدز قبل أن يهاجر إلى أمريكا الشمالية. وفي غضون شهر واحد من وصوله، بدأ العمل مع رياضيين جامعيين، وهو ما جعله يلاحظ فجوة بحثية كبرى في إصابات الرباط الصليبي الأمامي (ACL)، والتي كانت في السبعينيات تعني نهاية المسيرة المهنية لأي رياضي بشكل قطعي.
ثورة "العضلات الأساسية": إلهام من أرجوحة أطفال
بدأ ماكيكني يربط بين إصابات الركبة وضعف عضلات الجذع (Core) والتحكم في الحوض. ابتكر أساليب تعتمد على الأربطة المطاطية للمقاومة، وهو نهج يُعتبر اليوم "ألف باء" التأهيل، لكنه كان ثورياً ومستنكراً في ذلك الوقت.
جاءت لحظة الإلهام الكبرى أثناء نزهة مع كلبه؛ حيث راقب الأطفال وهم يتأرجحون على خيول مثبتة بنوابض هندسية.
زرعت هذه الرؤية بذرة ابتكار "لوح التوازن" (Balance Board) الذي يدرب الجسم على الاستقرار من خلال الحركة. هذا النموذج الأولي، الذي بُني بزنبرك هندسي ضخم، قامت شركة "ريبوك" العالمية لاحقاً بترخيصه وتحويله إلى منتج يباع في كافة أنحاء العالم.
المواجهة مع العملاق: عندما انتظر "شاك" دور العيادة
بحلول عام 1997، وصلت سمعة ماكيكني إلى لوس أنجلوس. كان النجم شاكيل أونيل، العملاق المهيمن في الدوري الأمريكي لكرة السلة (NBA)، يعاني من تمزق في عضلات البطن، وكانت الجراحة تعني غيابه لـ 10 أشهر. نصحه المدير العام لليكرز، جيري ويست، بزيارة "الرجل المعجزة" في فانكوفر.
يروي ماكيكني بابتسامة: "اتصل بي حراس شاك وقالوا نحن قادمون الآن، فقلت لهم: معذرة، لدي مرضى ولا يمكنني رؤيتكم قبل الساعة الواحدة والنصف، عليكم الانتظار".
غضب شاك وعاد بطائرته إلى لوس أنجلوس، لكن الألم أجبره على العودة في الأسبوع التالي والالتزام بمواعيد العيادة.
دخل شاكيل ومعه جيش من الحراس، لتبدأ رحلة علاج "Core-X" غير التقليدية. أثمرت النتائج بسرعة مذهلة؛ عاد أونيل للملاعب دون جراحة، وقال جملته الشهيرة: "لقد أعادني أليكس إلى الحياة.. كنت ميتاً مهنياً وهو من أحيا مسيرتي".
هوليوود على ضفاف الملعب: العصر الذهبي مع ليكرز
بعد نجاحه مع أونيل، انتقل ماكيكني إلى لوس أنجلوس ليكون جزءاً من طاقم "ليكرز" الذهبي. كان يجلس في الصفوف الأمامية بجانب مشاهير مثل جاك نيكلسون وديفيد بيكهام، ليراقب ثنائية كوبي براينت وشاكيل أونيل تحت قيادة المدرب الأسطوري فيل جاكسون.
لم يكن عمله مجرد علاج، بل كان "إدارة أزمات" لأجساد تبلغ قيمتها مئات الملايين.
أقام أونيل علاقة صداقة وطيدة معه، لدرجة أنه كان يستأجر منزلاً في فانكوفر صيفاً ليكون قريباً من أليكس، وكان الموظفون في العيادة يضحكون وهم يشاهدون العملاق شاك يمزح مع المرضى عند مكتب الاستقبال ويسجل دخولهم بنفسه.
المنقذ من "الخردة": إعادة هارجريفز وهزيمة الإصابات المستحيلة
وصف ماكيكني نفسه يوماً بأنه يعالج "الرياضيين المنهكين الذين يشبهون مشاريع إعادة التأهيل".
ومن أبرز هؤلاء لاعب كرة القدم الإنجليزي أوين هارجريفز، الذي كان قد فقد الأمل في العودة بعد عامين من إصابات الركبة المزمنة.
اكتشف ماكيكني أن المشكلة ليست في الركبة بل في عدم استقرار الحوض، وأعاده للملاعب في معجزة طبية أذهلت الأوساط الرياضية في بريطانيا.
رحلة تورنتو: الخاتم السادس والموكب المليوني
في عام 2011، عاد ماكيكني إلى كندا لينضم إلى "تورنتو رابتورز"، وفي عام 2019، كان هو العقل المدبر وراء الحفاظ على سلامة النجم "كاواي ليونارد"، ليقود الفريق لتحقيق لقبه التاريخي الأول والوحيد.
يتذكر ماكيكني ذلك اليوم: "موكب النصر كان لا يُصدق، مليون شخص في الشوارع. كان هذا لقبي السادس في الـ NBA، لكنه كان الأجمل لأنه جاء مع فريق كندي".
ختام الرحلة: سيد "جولات الروك" الرياضية
اليوم، وبالرغم من بلوغه سن الـ 74، لا يزال ماكيكني يشغل منصب نائب رئيس أداء اللاعبين في تورنتو رابتورز.
يتلقى دعوات مستمرة من أندية الدوري الإنجليزي الممتاز (Premier League) لتبادل الخبرات، لكنه لا يزال يعشق صخب الدوري الأمريكي.
يقول واصفاً حياته: "الـ NBA يشبه جولة لفرق موسيقى الروك؛ نصل للفندق، نفرغ المعدات، نجهز غرف العلاج، نعالج اللاعبين، ثم نحزم الأمتعة لنطير إلى المدينة التالية في الصباح. إنها حياة متعبة، لكنها مذهلة لرجل راهن على نفسه بـ 300 دولار فقط".











