
عندما يطلق الحكم صافرة البداية لنهائي دوري أبطال أوروبا على أرضية ملعب "بوشكاش أرينا" في العاصمة المجرية بودابست، لن يكون الصراع مجرد مواجهة تكتيكية بين أرسنال الإنجليزي وباريس سان جيرمان الفرنسي، بل سيكون المشهد الختامي لرحلة استنزاف بدني وذهني مريرة خاضها الفريقان على مدار موسم شاق وممتد.
وتكتسب هذه القمة القارية أبعاداً إضافية مع اقتراب منافسات كأس العالم، حيث باتت الجاهزية البدنية وإدارة طاقة النجوم الصارمة هي المفتاح السري لرفع الكأس ذات الأذنين الطويلتين.
وتعكس لغة الأرقام حجم الجهد المبذول؛ إذ يرتدي لاعبو أرسنال قمصانهم للمباراة رقم 63 لهم هذا الموسم، بعد مسيرة إعجازية نافسوا خلالها بشراسة على أربعة ألقاب محلية وقارية حتى أوائل شهر أبريل.
وفي المقابل، يخوض باريس سان جيرمان مباراته رقم 56 في الموسم الحالي، وهي حصيلة لا تشمل المواجهات السبع الإضافية التي خاضها الفريق الصيف الماضي وتوج خلالها بلقب كأس العالم للأندية، مما يوضح حجم الحمل البدني التراكمي على عاتق النخبة الكروية في الناديين.
وعلى الرغم من التقارب الظاهري في عدد المباريات الإجمالية، إلا أن إحصائيات الدقائق الفعلية تمنح النادي العاصمي الفرنسي أفضلية بدنية واضحة قبل موقعة السبت؛ ويعود الفضل في ذلك إلى السياسة الصارمة التي انتهجها المدير الفني الإسباني لويس إنريكي في تدوير تشكيلته ببطولة الدوري الفرنسي، وهي الرفاهية التي أتيحت له بفضل الفوارق الفنية الملحوظة مع المنافسين المحليين، وعمق التشكيلة المرعب الذي شُيِّد بدعم مالي هائل ومستدام من جهة ملاك النادي القطريين.
هذه الفجوة تتضح بشكل صادم عند المقارنة الإحصائية بين العناصر التي خاضت إياب الدور نصف النهائي لكلا الفريقين؛ حيث جمع لاعبو أرسنال الأساسيون في تشكيلة ميكيل أرتيتا ما يقرب من 7000 دقيقة إضافية من اللعب الفعلي في مسابقة الدوري الإنجليزي الممتاز (6726 دقيقة على وجه الدقة) مقارنة بنظرائهم في باريس.
ويأتي هذا التفاوت البدني رغم أن مسار باريس نحو النهائي كان أطول، إذ اضطر لخوض 16 مباراة في دوري الأبطال نتيجة احلاله في المركز الحادي عشر خلال مرحلة الدوري (بما في ذلك مواجهة بروافد فاصلة ضد موناكو)، في حين خاض المدفعجية 14 مباراة أوروبية فقط.
وتكشف الحالات الفردية لنجوم باريس سان جيرمان عن ملامح خطة إنريكي الذكية لإدارة المخزون البدني؛ فقائد الفريق والمدافع البرازيلي المخضرم ماركينوس، شارك في 14 مباراة أوروبية، وهو نفس عدد مشاركاته الإجمالية في الدوري الفرنسي طوال الموسم (11 كركيزة أساسية و3 كبديل)، بل إنه في الفترة الممتدة من 13 فبراير إلى 19 أبريل، لم يشارك في أي دقيقة محلياً وظل حبيساً لمقاعد البدلاء لسبع مباريات متتالية، لكنه في الوقت ذاته خاض الدقائق الكاملة للمباريات الست التي لعبها فريقه في دوري الأبطال خلال تلك الفترة.
ولم تتوقف المرونة البدنية عند الخط الخلفي؛ فحامل جائزة الكرة الذهبية، عثمان ديمبيلي، لم يكمل 90 دقيقة كاملة في الدوري الفرنسي سوى مرة واحدة فقط من أصل 22 مباراة خاضها، ورغم أنه فاز بشكل مثير للجدل بجائزة أفضل لاعب في الدوري الفرنسي للموسم الثاني على التوالي محققاً 10 أهداف و7 تمريرات حاسمة.
إلا أنه لم يبدأ سوى 11 مباراة أساسية محلياً (9 مباريات وقت تسلم الجائزة)، وغاب عن 10 مواجهات أخرى بداعي الإصابة؛ ويسير على ذات النهج زميله المهاجم الجورجي خفيتشا كفاراتسخيليا، الذي لعب 90 دقيقة كاملة مرتين فقط من أصل 28 مباراة محلية.
وعلى الجانب الآخر، دفع أرسنال ضريبة اشتعال وتنافسية البريميرليغ، الذي يصنفه معامل الاتحاد الأوروبي لكرة القدم كأقوى دوري في القارة بينما يتراجع الدوري الفرنسي للمركز الخامس.
وتجلى الاستنزاف الإنجليزي في اعتماد أرتيتا على 25 لاعباً فقط محلياً مقابل 28 لاعباً لإنريكي، علماً أن موسم الدوري الفرنسي أقصر بأربع مباريات لاعتماده على نظام 18 فريقاً.
وفي الوقت الذي يعد فيه لاعب الوسط وارن زاير إيمري الأكثر خوضاً للدقائق في باريس بواقع 2453 دقيقة، نجد أن ستة لاعبين من أرسنال تخطوا هذا الرقم بكثير، حيث لعب الحارس ديفيد رايا كل دقيقة في الموسم حتى تأكد حسم اللقب ومواجهة كريستال بالاس، وضمن الرباعي ديكلان رايس، وويليام ساليبا، وغابرييل، ومارتن زوبيميندي أكثر من 30 مباراة كاملة في الدوري، بل إن يوريان تيمبر المصاب منذ منتصف مارس سجل دقائق لعب تفوق لاعب الوسط الباريسي.
ولم تخلُ سياسة التدوير الباريسية من عيوب، إذ تجرع الفريق ثلاث هزائم محلية من أصل ست أمام مارسيليا وموناكو وليون، وجاءت جميعها مباشرة عقب مواجهات دوري الأبطال؛ لكن إنريكي نجح في حسم الأمور لصالحه في النهاية وتوج باللقب قبل جولة من الختام وبفارق ست نقاط عن لانس عقب الفوز عليه بثنائية، ليتلقى خسارة شرفية في الجولة الأخيرة أمام باريس إف سي بنتيجة 2-1 بعد أن تسلم الكأس رسمياً.
هذا المسار منح باريس 13 يوماً كاملاً من الراحة والاستشفاء قبل النهائي، مقارنة بستة أيام فقط لأرسنال الذي استفاد من تعادل مانشستر سيتي وبورنموث ليحسم اللقب الإنجليزي، قبل أن يريح أرتيتا بعض ركائزه ويفوز على بالاس 2-1 في الجولة الأخيرة.
وتمتد التسهيلات التي حصل عليها العملاق الباريسي إلى شهر مارس الماضي، عندما وافقت الرابطة الفرنسية على تأجيل مباراته القوية ضد لانس لتقع بين مواجهتي ربع النهائي أمام ليفربول، وهو ما علق عليه إنريكي بوصفه الشهير لعملية الموازنة البدنية: "الأمر أشبه بلعبة تيتريس، يتوجب علينا الفوز بالنقاط الثلاث محلياً وفي نفس الوقت استعادة الجاهزية البدنية للاعبين من أجل التحدي الأكبر في الموسم".
ويدخل الفريقان الموقعة وهما يقفان على أرضية تاريخية متساوية محلياً برصيد 14 لقباً في الدوري لكل منهما؛ فالعملاق الباريسي فرض هيمنته المطلقة محققاً 12 لقباً في آخر 14 موسماً، وتحديداً منذ انتقال ملكية النادي الكاملة إلى مؤسسة قطر للاستثمارات الرياضية عام 2012.
في حين نجح أرسنال في كسر العقدة وإنهاء انتظار دام 22 عاماً ليعتلي عرش الكرة الإنجليزية مجدداً؛ وإذا كان باريس سان جيرمان يدخل اللقاء متسلحاً بأفضلية تاريخية وقوام بدني أكثر انتعاشاً، مستنداً إلى ذكريات إقصائه لأرسنال بنتيجة 3-1 في مجموع مباراتي نصف نهائي النسخة الماضية التي حقق لقبها ضمن رباعية تاريخية، فإن عزيمة المدفعجية لرد الاعتبار وتتويج موسمهم الإعجازي باللقب القاري الأول كفيلة بإلغاء كل الفوارق البدنية على عشب بوشكاش أرينا.