قبل عقد من الزمن، دوّن السباح الأمريكي رايان مورفي اسمه بحروف من ذهب عندما أصبح سادس رجل في تاريخ الرياضة يحرز الميداليات الذهبية الأولمبية في سباقي 100 و200 متر ظهر معاً، لينضم إلى نخبة تاريخية من الأساطير البارزين مثل الألماني الشرقي رولاند ماتيس، بالإضافة إلى مواطنيه الأمريكيين جون نابر، ريك كاري، ليني كرايزلبورغ، وآرون بيرسول.
وحافظ مورفي على مستوى أداء متميز ومذهل طوال فترة العشرينات من عمره، محققاً 44 ميدالية دولية في المجمل، توزعت قيمتها بين الألعاب الأولمبية، بطولات العالم في المسابح الطويلة والقصيرة، وبطولات بان باسيفيك.
وفي عام 2023، فاجأ مورفي المتابعين عندما أطاح بحامل الرقم القياسي العالمي الإيطالي توماس سيسكون وانتزع منه لقب بطولة العالم في سباق 100 متر ظهر، محققاً بذلك الفوز في كلا سباقيه الرئيسيين في جميع البطولات الكبرى.
كما حصد مورفي ميداليته الأولمبية الخامسة في سباق الظهر، ليعادل رقم ماتيس وبيرسول كأكثر السباحين الذكور حصولاً على ميداليات في هذا التخصص.
ورغم أن خيبة أمل غير متوقعة في نصف نهائي سباق 200 متر ظهر حرمته من فرصة الصعود إلى منصة التتويج للمرة السادسة، إلا أنه سرعان ما استعاد توازنه ليقود الفريق الأمريكي للفوز بالميدالية الذهبية وتحطيم الرقم القياسي العالمي في سباق التتابع المختلط 400 متر متنوع.
غياب 22 شهراً
بعد مشاركته في أولمبياده الثالث وهو في التاسعة والعشرين من عمره، اتخذ مورفي قراراً بالابتعاد عن رياضة السباحة للمرة الأولى في مسيرته؛ حيث أمضى العام التالي مركزاً بالكامل على تفاصيل حياته الخاصة خارج حوض السباحة، وهي الفترة التي شهدت الحدث الأبرز بولادة ابنته "إيفي".
ونتيجة لهذا الابتعاد، تغيب مورفي عن المنافسات الرئيسية التي أقيمت في صيف عام 2025، بما في ذلك بطولة الولايات المتحدة الوطنية وبطولة العالم، لكنه لم يستبعد أبداً إمكانية عودته للمنافسة مستقبلاً.
وهذا المستقبل يبدأ رسمياً في نهاية هذا الأسبوع؛ حيث يخوض مورفي غمار سباقات سلسلة المحترفين للسباحة الأمريكية في ساكرامنتو بولاية كاليفورنيا، وتحديداً في سباقي 100 متر و50 متر ظهر، في أول مشاركة تنافسية له منذ 22 شهراً.
ويحمل مورفي، الذي سيبلغ من العمر 31 عاماً في شهر يوليو المقبل، أفضل زمن شخصي مسجل في سباق 100 متر بقدر 52.08 ثانية، والذي كان قد سجله في نهائي سباق التتابع المختلط الأولمبي المذكور آنفاً.
وبعد عام 2025 المخيب، سيرغب رجال السباحة الأمريكية بشدة في رؤية أي سباح يملك القدرة على كسر وتجاوز حاجز الـ 52 ثانية مجدداً.
معاناة أمريكية في سنغافورة
من الجانب الآخر من العالم، تابع مورفي الصيف الماضي من بعيد معاناة المنتخب الأمريكي للرجال، والذي حقق نتائج مخيبة للآمال بشكل واضح في سباقات السباحة على الظهر خلال بطولة العالم التي أقيمت في سنغافورة.
ورغم أن بعض الصعوبات كانت متوقعة في ظل غياب قائد بحجم مورفي، إلا أن نتائج التصفيات الأمريكية جاءت لتعزز المخاوف، وتجلى ذلك بوضوح في سباق 100 متر؛ حيث لم يتمكن أي سباح أمريكي من كسر حاجز الـ 53 ثانية.
ومع معاناة العديد من أعضاء الفريق من آثار مرض معوي مفاجئ، لم يتمكن سوى سباحين اثنين فقط من تحقيق أزمنة سريعة تؤهلهما لدخول قائمة أفضل 16 سباحاً؛ حيث حل كيتون جونز (زميل مورفي في فريق كال) في المركز الثاني عشر في سباق 200 متر ظهر، وهو السباق نفسه الذي كان قد حل فيه خامساً في أولمبياد باريس، بينما انتزع كوينتين مكارثي المركز الخامس في سباق 50 متراً.
وفي محاولة يائسة لإنقاذ الموقف، لجأ الفريق إلى تومي جانتون لخوض المرحلة الأولى من سباق التتابع المتنوع 400 متر للرجال، وسجل جانتون زمناً قدره 53.37 ثانية، وهو أداء لا يعد سيئاً بمعاييره الشخصية، ولكنه ظل متأخراً بفارق 1.57 ثانية عن المتصدر، ليضع أمريكا في المركز السادس فقط في التتيب العام، قبل أن يحتاج الفريق إلى نهاية شبه معجزة من السباح جاك أليكسي لانتزاع الميدالية البرونزية بصعوبة.
وكان هذا المركز التنافسي القوي، بطبيعة الحال، محجوزاً باسم مورفي في جميع المنافسات الدولية الكبرى منذ عام 2015.
ورغم أن أداء الفريق الأمريكي لم يكن مثالياً طوال تلك الفترة – لا سيما مع خسارته التاريخية أمام الصين في نهائي أولمبياد باريس – إلا أن مورفي كان دائماً القوة الصارمة الموثوقة. وخلال مسيرته، عاصر وزامل عدداً كبيراً من سباحي الصدر الذين تغيروا في التتابع – من بينهم كيفن كوردس، كودي ميلر، أندرو ويلسون، ومايكل أندرو، وصولاً إلى ظهور نيك فينك في السنوات الأخيرة – وكان ثبات مستوى مورفي يعوض دائماً الصعوبات التي يواجهها الأمريكيون في التخصصات الأخرى.
خريطة الطريق للمستقبل
يبقى السؤال الجوهري حالياً: هل يستطيع مورفي استعادة هذا المستوى الخارق من الأداء في هذه المرحلة الأخيرة من مسيرته الرياضية؟ ستكون البداية من سكرامنتو وطوال فصل الصيف الحالي، في مسار من المرجح أن يبلغ ذروته في بطولة الولايات المتحدة الوطنية التي ستُقام في إرفاين، كاليفورنيا، من 28 يوليو إلى 1 أغسطس.
وسيتولى المكان نفسه استضافة بطولة بان باسيفيك لهذا العام بعد أسبوعين من البطولة الوطنية، ولكن تم اختيار الفريق سلفاً بناءً على نتائج العام الماضي؛ حيث حصل الثنائي ويل مودجلين ودانيال ديهل (وكلاهما أصغر من مورفي بعشر سنوات كاملة) على مركزي الظهير في سباق 100 متر بفضل أدائهما المتميز الذي حصد الميداليات في دورة الألعاب الجامعية العالمية.
وبناءً على هذه المعطيات، سيركز مورفي بدلاً من ذلك على استخراج أسرع أداء بدني ممكن وضبط أزمنته الشخصية، بهدف واضح وهو التأهل لبطولة العالم 2027 ودورة الألعاب الأولمبية الصيفية 2028.
وبعد ثلاث مشاركات أولمبية ناجحة، ستمثل المشاركة الرابعة القادمة فرصة فريدة واستثنائية لمورفي لسببين رئيسيين:
الأول: أن سباق 50 متراً ظهر أصبح الآن مدرجاً وبشكل رسمي ضمن البرنامج الرياضي للألعاب الأولمبية.
الثاني: أن البطولة الأولمبية ستقام على أرضه ووسط جماهيره في مدينة لوس أنجلوس الأمريكية.
ولا شك أن فرصة التنافس التاريخية أمام 38 ألف متفرج يعجون بالحماس في ملعب "سوفي" (SoFi Stadium) كانت المغناطيس الذي جذب مورفي مجدداً ليعود إلى الماء؛ وبعد أن رسخ مكانته كواحد من أعظم سباحي الظهر في تاريخ الرياضة، يبدأ الآن انطلاقته الأخيرة والقصوى لإنهاء مسيرته الأسطورية بمشهد ختامي مميز.